loading...

مقالات

الأرقام تتحدث عن نفسها

الأرقام تتحدث عن نفسها


أنا رقم صحيح. إذا أُضفت لمن يسبقنى مرتين صرت أساوى قدر إضافتى مرة واحدة لمن يلينى. فمن أكون؟ هكذا وقف أحد تلاميذ الكتاتيب فى مدينة أون بمصر القديمة وسأل رفاقه الأطفال الذين تكالبوا رافعين أياديهم الصغيرة صائحين: أنا.. أنا.. أنا، ليحظى كل منهم بشرف اختيار المعلم له ليجيب على ذلك السؤال.

رأى الطالب اليونانى، كبير السن، فيثاغورس ما يحدث، واستمع مبهورا لصياح التلاميذ الصغار الذين لا يطال أكبرهم ركبتيه، وشعر بخجل عارم يعتريه لأنه يجلس بينهم ولا يعرف الإجابة، بل ولم يكن يتخيل أن الأرقام يمكنها التحدث عن نفسها هكذا فى مسألة رياضية بتلك الطريقة العجيبة التى لا يعرفها أحد من علماء بلاده، والبلاد الأخرى التى زارها قبلاً لطلب العلم.

هو لم يكن يعرف بالطبع أن الحل لا يمكن الوصول إليه إلا بمنح ذلك الرقم المجهول رمزاً، والتعامل معه كمعادلة رياضية متساوية الطرفين ذات مجهول وحيد من الدرجة الأولى، واعتبار أن الرقم الذى يسبق ذلك المجهول هو الرمز ناقص واحد، وأن الرقم الذى يليه هو الرمز زائد واحد لتصبح المعادلة: 

(2x + (x-1) = x + (x+1

والتى تسفر بعد حلها عن X=2

أشار المعلم إلى أحد التلاميذ فأجاب مبتسماً الرقم هو اثنان، ثم أشار إلى تلميذ آخر ليكتب المعادلة ويشرح الحل لمن لا يعرف من زملائه. قالها المعلم وهو ينظر مبتسماً بطيبة إلى تلميذه الجديد. بعدها توالت الأسئلة والإجابات وازداد خجل فيثاغورس، وتعاظمت دهشته من معرفة الأطفال بتلك السهولة لكل الأرقام التى تتحدث عن نفسها. 

ما الذى أجبر العالم فيثاغورس على طلب العلم كرجل ناضج يجلس بين أطفال الكتاتيب التمهيدية فى مدينة أون المصرية القديمة؟ وذلك فى أوج شهرته كعالم يونانى أتى إلى مصر طمعاً فى الالتحاق بجامعة عين شمس القديمة؟ حقيقة ذلك الموقف العجيب أن مجلس أمناء جامعة أون كان قد أوصى قبلها بأيام قلائل بعدم قبول طلب التحاق فيثاغورس بصفوفها المتخصصة، إلا بعد اجتيازه لمرحلة الكتاتيب التمهيدية لأنه دون المستوى، وفقاً لتقييم المجلس لقدراته العلمية، وذلك حتى يكون مؤهلاً لتلقى المحاضرات فى أقسام الرياضة والهندسة بالجامعة بعد اجتيازه لتلك المرحلة الإلزامية!   

كانت هذه هى المكانة العلمية لمصر كدولة عظمى، لم يأفل نجمها بعد، قرب نهاية عصر الأسرات عام خمسمائة قبل الميلاد. أيامها لم يكن يتخيل أمناء جامعة عين شمس القديمة، أكبر جامعات العالم القديم، أن حفيدتها جامعة عين شمس الحديثة سوف تفشل، هى وكل زميلاتها من الجامعات المصرية الأخرى فى المستقبل، بعد ما يزيد على ألفين وخمسمائة عام، فى دخول قائمة أفضل خمسمائة جامعة فى العالم، حتى ولو "بالشعبطة" فى ذيل القائمة والحصول على المركز الأخير. 

بعدها بأعوام قلائل أكمل الطالب فيثاغورس تعليمه بالكتاتيب التمهيدية، ثم التحق بقسم الهندسة والرياضيات بالجامعة، وتخرج فيها بتقدير متوسط،، وعاد إلى اليونان زاعماً أنه توصل إلى نظريته الشهيرة، التى حملت اسمه كذباً فى بلاده، والتى تنص على أن مربع الوتر فى المثلث القائم الزاوية يساوى مجموع مربعى الضلعين الآخرين. لكن الحقيقة التى أكدها عالم المصريات البريطانى الأشهر آلان جاردنر، مستنداً إلى برديات تخص جامعة أون فى ذلك التاريخ، تؤكد أن فيثاغورس، الذى لم يحفظ لجامعته الجميل، سرق تلك النظرية، بعد أن تعلمها فى قاعاتها التى توصل فيها علماؤها إلى اكتشافها، هى ومئات غيرها من النظريات، قبل أن يولد فيثاغورس بمئات السنوات. 

كانت اليونان وقتها ترزح تحت حكم الديكتاتور بوليكراتس الذى لم يكن يهمه سوى أن تتحدث الأرقام عنه، ولو كذباً، لا عن نفسها. لذا لم يهتم أحد فى عهده بسرقة فيثاغورس لنظريات الآخرين فى مصر القديمة.

فى ذلك الوقت كانت الأرقام فى مصر تتحدث ببلاغة دائماً عن نفسها فى الحساب، والعمارة، والزراعة، والاقتصاد، والفن، ولا تكلف سادة البلاد مشقة التحدث عن أنفسهم. 

فيثاغورس نسب لنفسه نظرية مصرية قديمة لم يكتشفها، ولكنه اجتهد على الأقل لكى ينهل العلم من منابعه، ولم ينصب على مواطنيه اليونانيين بنظريات زائفة لا قيمة ولا مرجعية لها. 

كيف لبلاد أهانها سادتها المعاصرون طوال عقود بالتمسح بعلم زائف يقدمه النصابون، والأفاقون، والمرضى، والجهلاء أن ترتقى إلى ما تصبو إليه؟ وهى التى لم ينصفها قليلاً سوى حالات فردية لعبقريات علمية، وأدبية، وفنية نادرة تألقت بمجهودها الخاص، وشقت طريقها نحو العالمية فى بلاد الآخرين. 

عندما يصمت السادة وقاراً وتواضعاً، يليق بنبالتهم غير الزائفة، تتحدث الأرقام عنهم، وعن نفسها.