loading...

مقالات

الأجيال بين الحنين والجنون!

الأجيال بين الحنين والجنون!


لماذا الحنين إلى الماضي؟ لماذا نحنُّ إلى الأيام الخوالي؟ هل الماضي قوي إلى درجة أنه لا يزال حيا في الوجدان والتكوين؟ هل الحاضر باهت واللحظة الراهنة شاردة هاربة تائهة.. غير قادرة على العطاء وعلى تحقق حوارية الجدل مع الذات؟ لماذا يعتقد الكثيرون منا أن الماضي دائما هو العصر الذهبي...؟! هل هو الهروب من الواقع؟ لماذا..؟ وأين المفر..؟ وإلى أين..؟ مع ملاحظة أننا على وجه العموم إما أن نتقهقر إلى الأمس أو نهرول إلى القادم المجهول؟

الحقيقة الحياتية تشير إلى أن عقارب الساعة لا يمكن أن تعود للوراء.. الجمود داء وبيل قاتل.. الصيرورة غالبة.. السيرورة قانون.. التطور سنة الحياة.. والأيام دول!

يأتيني صور الشاعر الفيلسوف عمر الخيام:

لا تشغل البال بماضي الزمان

ولا بآتي العيش قبل الأوان

واغنم من الحاضر لذاته

فليس في طبع الليالي الأمان

في ضوء هذه الفكرة أحدق في رسالتين في بريدي الإلكتروني.. يقول محدثي وهو يستدعي أطياف الزمن الجميل (كما يحلو له أن يسميه): هل تدرون من نحن! نحن جيل السبعينيات والثمانينيات الذي مشى إلى المدرسة ذهابا وإيابا راجلين بلا توصيل (عز القيَّالة) طوال التسعة أشهر، السنة الدراسية كاملة.. جيل اختبار المنهج كامل من الجلدة إلى الجلدة لا ملازم ولا مدرس خصوصي ولا خيارات.. جيل "اكتب القطعة ١٠مرات" وحل المسائل على السبورة أمام الطلبة.. جيل المجلات الحائطية والنشاط الإذاعي والمسرحي والرياضي والمسابقات الثقافية.. نحن جيل لم ينهر نفسياً من عصا المعلم.. ولم يتأزم عاطفياً من ظروف العائلة.. ولم تتعلق قلوبنا بغير أمهاتنا.. ولم نبك خلف المربيات عند السفر.. نحن جيل لم ندخل مدارسنا بهواتفنا النقالة.. ولم نشكُ من كثافة المناهج الدراسية.. ولا حجم الحقائب المدرسية.. ولا كثرة الواجبات المنزلية.. نحن جيل لم يستذكر لنا أولياء أمورنا دروسنا.. ولم يكتبوا لنا واجباتنا المدرسية.. وكنا ننجح بلا دروس تقوية.. وبلا وعود دافعة للتفوق والنجاح.. نحن جيل لم نرقص على أغاني السخف.. وحفظنا من سورة الناس إلى تبارك.. في المرحلة الابتدائية.. نحن جيل كنا نلاحق بعضنا في الطرقات القديمة بأمان.. ولم نخش مفاجآت الطريق.. ولم يعترض طريقنا لص ولا مجرم ولا خائن وطن.. نحن جيل كنا ننام في فناء المنازل.. ونتحدث كثيراً.. ونتسامر كثيراً.. ونضحك كثيراً.. وننظر إلى السماء بفرح.. ونعد النجوم حتى تغفو عيوننا.. نحن جيل تربينا على المحبة والتسامح والصفح.. نبيت وننسى زلات وهفوات بعضنا البعض.. نحن جيل كان للوالدين في داخلنا هيبة.. وللمعلم هيبة.. وللعشرة هيبة.. وكنا نحترم سابع جار.. ونتقاسم مع الصديق المصروف والأسرار واللقمة..(!!!).

المفارقة أن هذه البكائية على أطلال الماضي تصادفت مع رسالة تستفيض بدموعها أكثر في هذا السياق يقول صاحبها: أعزائي مواليد الفترة الذهبية بين عامي (١٩٤٢-١٩٧٢) أتمنى لكم حياة سعيدة، وعمراً مديداً حافلاً بـالإنجازات وتحقيق الأحلام والطموحات، أكبركم عمره الآن ٧٥ عاماً وأصغركم عمراً عمره ٤٥ سنة.. كنتم أكثر الأطفال تميزاً بطفولتكم الممتعة التي لم يحظ بها أطفال الأجيال السابقة والحالية، بل ولا أعتقد القادمة!!!
جيل الطفولة الجميلة والمريلة البيج والتجليد الأزرق والأبيض الشفاف.. لحقتم على جيلين الجيل القديم والحديث.. ولادتكم كانت في ظروف معيشية رائعة، يسمونها أيام الطفرة الخروف بـ٢٠ جنيه.. وإيجار البيت 100 جنيه في السنة.. يمكن عاصرتم الحروب مثل حرب ٥٦، حرب ٦٧ وحرب ٧٣ وحرب لبنان، وسقوط شاه إيران، وحرب العراق وإيران، وغزو العراق للكويت ثم حرب تحرير الكويت وغزو العراق، وأيام التهديد بالكيماوي، وصواريخ سكود وباتريوت، وأيام الجهاد في أفغانستان.

وعاصرتم البنطلون الشارليستون، والسوالف العريضة وموضة البيتلز وتسريحة حليم.. وبسكويت شوكولاتة كرونا ولبان تشيكلس من لبنان، وآيس كريم أبو حيدر والأمريكين وجروبى والمريلاند وحديقة الشاى:).. والسابو الكعب العالي وأحذية الباتا.. والبيجامات الكستور.. استمعتم لإذاعة صوت العرب والقاهرة والشرق الأوسط وتابعتم المسلسلات الممتعة وقرآن الساعة الثامنة وبرنامج على الناصية وحلقات ألف ليلة في رمضان والفوازير.. شفتوا صح النوم، وحمام الهنا والسالب والموجب.. والروحة عالسينما كانت عادي ونروح بالعيد عادي وقبل ما نروح مشوار نعدى على "ماسح الاحذية"، ودخلنا أفلام لوف ستورى وطرزان وتوم وجيري فى مترو، وبرنامج "النادى الدولى" وتمثيليات الساقية والرحيل وابن الحتة!.. ألعابكم كانت.. الكونكان، والباصرة، والإستميشن، ونط الحبل، والأولى وسبع طوبات..! وهواياتكم.. المشي بالشوارع في الشموس وصيد العصافير بالنبلة، وقطف النبق من الجيران.. ولحقتوا على كبار السن الكرام من أهاليكم..

والآن تعاصرون الإنترنت والفيسبوك - عالم أبل - السناب والإنستجرام والواتس - الجلاكسي تاب - والآيفون وأكس بوكس، وتليفزيون ملون بتقنية DH. عشتم جيلين مختلفين.. تربيتم تربية الأجيال السابقة تربية المرجلة والشهامة وعلى احترام الكبير.. وتعلمتم الدين الصحيح... ستبقون دائما مميزين.. تربيتم على عادات أصيلة ومفاهيم ذات مرجع ديني متسامح لم ولن يفهمها ويقدرها سواكم..

أنتم جيل لا تخشون التقدم في السن.. أنتم تعتبرون من أكثر الناس فهماً للحياة.. أنتم مخضرمون، بل أنتم رائعون ومحظوظون.. لن يتكرر جيلكم.. عشتم في بيوت صغيرة، وسكنتم الكبيرة، وركبتم الأتوبيس والترام والترولى باص.. وها أنتم تسوقون المرسيدس والتويوتا والفورد اليوم.. لحقتم التليفون أبو منفرة في الريف و أبوقرص وأبو الزرار، والسنترال، وعلق الخط وما علق.. والجوال اليوم وتليفون السيارة..

حقيقة!! تاريخكم جميل، ماضياً وحاضراً..  فأنتم عشتم ثلاثة أو أربعة أضعاف عمركم الحقيقي. فالنقلة الحضارية التي عاصرتموها لم ولن يعرفها جيل غيركم منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة.. تلذذتم بالقليل وعشتم في ترف الكثير.. رجعتكم للماضي الجميل...(!!!).

تركت هذين الصوتين.. تنساب عذوبتهما ودموعهما على الماضي.. على الأيام الخوالي.. على الأجيال السابقة.. على أطلال الأمس..

ترى هل هما على حق؟ هل من حقهما عقد المقارنة؟ ولصالح ماذا؟ وماذا يرى أبناء الجيل؟ هل هم في قفص الاتهام من آبائهم؟

التعليق في المقال القادم.