loading...

ثقافة و فن

رشيد طه.. يا رايح وين مسافر؟

رشيد طه

رشيد طه



ملخص

رحل عن عالمنا المطرب الجزائري رشيد طه، عن عمر ناهز 59 عامًا بعد أزمة قلبية، عشية أمس الثلاثاء، حيث عثرت الشرطة الفرنسية على جثته داخل شقته بباريس.

"يا رايح وين مسافر تروح تعيا وتولي، شحال ندموا العباد الغافلين قبلك وقبلي، شحال شفت البلدان العامرين والبر الخالي، شحال ضيعت أوقات وشحال تزيد ما زال تخلي، يا الغايب في بلاد الناس شحال تعيا ما تجري، ديك وعد القدرة ولّى الزمان وأنت ما تدري".. وكأن رشيد طه حينما أعاد تقديم رائعة دحمان حراشي من التراث الجزائري كان يشدو بها لنفسه، يخاطب ذاته حينما قرر هجر بلاده الحبيبة: "أيها المسافر إلى أين أنت ذاهب؟"، سوف ترحل لكن مصيرك هو الرجوع حتمًا، وبعد نحو 3 عقود من هجرته إلى باريس، و21 عامًا من تقديم "يا رايح"، وأفّل زمانه وهو لا يدري، سافر "رشيد" ولكن دون عودة، وغادرنا عن عمر ناهز 59 عامًا، عشية أمس الثلاثاء.

بين موسيقى الروك ونغمة الراي ارتفع صوت رشيد طه ليكتب لنفسه تجربة فردية فريدة أقلعت مطلع الثمانينيات؛ فبينما أعضاء فريق The Clash يقومون بجولة في باريس، اقتحم شاب المشهد، وقدّم لهم شريطًا تجريبيًا عليه بعض التسجيلات لهم، لم يهتموا وقاموا بإصدار عملهم Rock The Casbah، بينما هو لم ييأس، الفتى كان رشيد، والشريط حمل أول تجاربه التي صدرت من خلال فرقته Carte de sejour "بطاقة إقامة" عام 1983، وظل رشيد يكرر بأن "روك القصبة" التي غناها الفريق كانت نتيجة استماعهم لأعماله، بينما هم ينفون، لكن المفارقة أن Joe Strummer مصدر الإلهام الأول لـ"رشيد" سيتوفى، وتتفكك الفرقة، وتدور الأيام ونرى مايك جونز يعزف خلف رشيد طه.

يقول "رشيد" في حوار لـ"الحياة" اللندنية، يناير 2002: "تأثرت منذ صباي بحب والدي للموسيقى، كان يعمل نهارًا في مصنع ثم يدندن فوق العود في الليل في مقاهي وهران التي وُلدت به قبل أن انتقل إلى فرنسا في العاشرة، وكان اللون الذي يفضله الوالد هو الراي الشعبي، وهو موسيقى المحرومين والفقراء، وحاولت شخصيًا فيما بعد، حينما أنشأت فرقتي، أن أركز على (الروك آند رول) مع إدخال نبرات عربية، مبتعدًا تمامًا عن الراي، فأعدت صياغة أغنية Douce France والتي غنّاها الفرنسي الراحل شارل ترينيه، محققًا لنفسي ولفرقتي شعبية لدى المغتربين وعداوات بين الفرنسيين الذين اعتبروها استفزازًا لهم وإهانة لتراثهم، ولقد انجذبت إلى الراي في ما بعد، بشكل لا شعوري، ووجدت نفسي أؤلفه وألحنه وأغنيه بنجاح، فقررت العمل بمفردي واعتزال الفرقة"، وذلك في بداية التسعينيات، وأصدر أول ألبوم منفرد Barbès.

انطلق رشيد طه في رحلته بين النوادي الليلية والمسارح من لندن إلى باريس، مازجًا بين الراي وأنواع موسيقى صاعدة من الراب حتى الروك والموسيقى الإلكترونية في التسعينيات، ومن بين أعماله ألبوم حمل اسمه "رشيد طه" (1993)، و "أوليه أوليه" (1995)، وفي 1997 أصدر ألبوم Carte Blanche، والذي أعاد فيه تقديم "يا رايح وين مسافر" والتي حققت له شهرة كبيرة عربيًا وأوروبيًا، ثم ألبوم "ديوان" (1998)، لتتضح أبعاد وحدود مشروعه الموسيقي، الذي ساهم في تشكيل سماته اثنين، وهما ستيفين هيغل، الموزّع الذي رافق "رشيد" منذ تلك الفترة حتى ألبوم "تيك توا"، وحكيم، عازف آلة الماندولين الشهيرة التي تقوم بدور وسط بين العود والجيتار.

وبدأ التعاون بين رشيد ومنتجه الفني Steve Hillage في منتصف التسعينيّات، ليُشرف "ستيف" على الإنتاج الفني الكامل لمشروع "1، 2، 3 Soleils" بين رشيد والشاب خالد وفضيل في نهاية التسعينيات، حينما قدّموا الأغنية الشهيرة "عبد القادر يا بو علام" التي أطلقوها في حفل ضخم بباريس، وحققت حينها نجاحًا باهرًا، وحصد الألبوم مبيعات كبيرة في فرنسا والدول الأوروبية والوطن العربي، ثم قدّم ألبوم "صنع في المدينة" عام 2000 الذي سجله في باريس ولندن ومراكش، واشتُهر منه أغنية "بره بره" التي دخلت في فيلم Black Hawk Down.

"تربيت على موسيقى الراي، إلا أني أعشق الأغنيات المصرية القديمة من عبد الوهاب وأم كلثوم وأسمهان وليلى مراد، ويطربني للغاية صوت حكيم، وعمرو دياب وصل للعالمية".. رشيد طه

ويُسجل ستيف البصمة الأبرز في مشروع رشيد، حيث فتحه أكثر على إيقاعات أكثر تنوعًا، ووصل قمة تعاونهما في ألبوم "أنت فاكر نفسك مين؟" عام 2005، والذي صرخ فيه رشيد بآهات العرب على ما حدث في العراق، وفي 2006 قام بإحياء حفل موسيقي في القاهرة، مغنيًا "نحّوهم حاسبوهم، الهدرا الهدرا ممنوعة، قلبي وقلبك مفتوح، خدوا الطيارات وطقوا البومبات"، وافترق الثنائي منذ ألبوم Bonjour، حيث اختار رشيد التعاون مع جاستن آدمز، المهووس بالموسيقى العربية، والمزج بين التنويعات الشرقية والغربية.

واختتم رشيد رحلته مع الغناء بألبوم أخير صدر في 2013 تحت عنوان ZOOM، وفيه لخص تلك الرحلة، حيث وجه من خلاله التحية لأهم الفنانين الذي كانوا دائمًا مصدر إلهام له من شيوخ الراي، وكذلك أم كلثوم وإلفيس بريسلي، كما أكد أنه لم ينس سنوات التجاهل الأولى في أغنيته Algerian Tango: "مننساش العنصريين، مننساش العبوديين"، ويُصرح برأيه في رحلته، ويقول: "ومشروعي أنيق أنيق وصافي"، ورحل بعد أن انتهى من إعداد ألبومه الجديد Believe، الذي من المقرر إصداره في مطلع عام 2019، إلا أنه لم يُكتب له أن يشاهد نجاحه بنفسه.

"يا مسافر نعطيك وصايتي اديها عالبكري، شوف ما يصلح بيك قبل ما تبيع وما تشري، يا النايم جاني خبرك كما سرالك سرالي، هكدا راد وقدر في الجبين سبحانو العالي".. يُخاطب رشيد نفسه، أيها النائم في سباتك العميق، لقد جاءني خبرك، وسمعت أنك قررت السفر، ما عساني أن أفعل لك، فقدرك مكتوب على الجبين، فسبحان الله، لا أستطيع أن أعدل من مصيرك، ستهاجر وفي الأخير وخاتمتها ترجع في صندوق ليدفنوك، فمصيرك التراب".. رحل رشيد طه وستبقى أعماله وذكراه.